أردرويد
الذكاء الاصطناعي

الذكاء = اصطناعي (2): أفضلية جوجل غير العادلة في عصر “إنترنت الأشياء”

الذكاء = إصطناعي، هي سلسلة من المقالات التي أقوم من خلالها بكتابة بعض التحليلات والآراء المتعلقة بالنقلة الكبيرة التي نشهدها اليوم نحو تقنيات الذكاء الاصطناعي Artificial Intellegence. لا تمتلك هذه المقالات ترتيبًا معينًا، وهي ليست سلسلة لشرح مبادئ هذه التقنية (لكن قد نتطرق إلى هذا بشكل مختصر لاحقًا). هذه المقالات هدفها رصد هذا التحوّل الذي لم يلحظ البعض أهميته حتى الآن، ومتابعة تطوّراته على الساحة التقنية سواء من خلال جوجل أو غيرها من الشركات. يمكنك قراءة المقال الاول في هذه السلسلة بعنوان: ما الذي يعنيه إعلان جوجل بأنها أصبحت شركة AI-First؟

الأفضلية التنافسية غير العادلة Unfair Competitive Advantage هو مصطلح يُشير في عالم الأعمال إلى شركة تمتلك ميزة تنافسية بالغة الأهمية، تجعل من شبه المستحيل على المنافسين اللحاق بها ما يتيح للشركة المذكورة فرض سيطرة شبه مطلقة على السوق.

تخيّل مثلًا شركة ابتكرت مُنتجًا لم يكن موجودًا من قبل، وحقق هذا المنتج نجاحًا كبيرًا وكانت الشركة المُنتجة هي الوحيدة التي تقوم بإنتاجه. في الفترة التي ستبدأ بقية الشركات بتقليد الفكرة لمنافستها، ستكون الشركة صاحبة الفكرة الأصلية قد سيطرت على 90% من السوق بالفعل. فكرة هذا المنتج وطرحه من قِبَل شركة واحدة فقط يُعطي هذه الشركة ما يُعرف بالأفضلية غير العادلة.

أو تخيل مثلًا أن تتمكن شركة ما من تصنيع منتج موجود مسبقًا لكنها تمكنت بشكلٍ من الأشكال من تصنيعه وبيعه بتكلفة منخفضة جدًا مقارنةً بالمنافسين وبنفس الجودة أو أفضل. هذه الخلطة السرّية التي مكّنت الشركة من عمل ذلك يمكن وصفها بالأفضلية غير العادلة لأنها تجعل ظهور منافسٍ لها أمرًا شبه مستحيل.

بالتأكيد لا يوجد شيء (غير عادل) في الموضوع طالما لم تلجأ الشركة في مثالنا إلى أساليب غير أخلاقية في تحقيق هدفها، لكن يتم استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى امتلاك الشركة لميزة تنافسية كبيرة وغير تقليدية ما يجعلها خارج إطار المنافسة بالفعل.

أفضلية جوجل (غير العادلة)

في مؤتمرها الأخير كشفت جوجل عن مُكبر الصوت Google Home Max الذي وعدا عن امتلاكه لمُساعد جوجل بشكل مُدمج، يمتلك أيضًا ميزات ذكية مثل تعديل قوة ونبرة الصوت بحسب مكان توضعه في الغرفة، وبحسب الضجيج المُحيط، وبحسب نوع المادة التي يتم الاستماع إليها (موسيقى، إذاعة، .. الخ). كما كشفت عن سماعات Pixel Buds التي تستطيع ترجمة الحوار بشكل فوري بين لغتين مختلفتين بسرعة عالية ودقة مُدهشة يتم تحسينها باستمرار.

إضافةً إلى ذلك فقد أعلنت عن توفير مساعدها الذكي ضمن العشرات من الأجهزة المنزلية من الغسالات والثلاجات، إلى أجهزة التكييف وأفران المايكرويف.

لكن دعنا نعود حاليًا إلى مثال مُكبّر الصوت كي نتوسع فيه. ضمن مُكبرات الصوت من سلسلة Google Home يمكنك الاستماع إلى الموسيقا عبر خدمة Google Music وهي ليست خدمة تقليدية للموسيقى على الإطلاق. يمكنك مثلا أن تأمر مُكبر الصوت وتقول: OK Google, play some music دون أن تحدد ما الذي تريد سماعه. ما سيحدث هو أن جوجل ومن خلال ما تعرفه عنك، ومن خلال عادات استماعك إلى الموسيقى، ومن خلال خوارزمية ذكاء اصطناعي تتحسن باستمرار تقوم بمزج عوامل عديدة مثل الوقت (صباح، مساء، ليل، .. الخ) والحركة (هل أنت مُسترخٍ في المنزل، تمشي في الشارع، تقود السيارة؟)، وحتى الطقس في الخارج كي تتنبأ بما الذي ترغب بسماعه في هذه اللحظة وتقوم بتشغيله. النتائج مُبهرة بالفعل بحسب تجربتي اليومية للخدمة.

هذا المثال سيتوسع ليشمل أجهزة ذات خصائص ذكية في عصر إنترنت الأشياء Internet of Things كأجهزة المنزل والسيارات وحتى الملابس وأقفال الأبواب.

ما يبدو للبعض حاليًا وكأنه تكنولوجيا (تجريبية) أو تكنولوجيا (جميلة لكنها لن تغيّر حياتنا) ستتطور خلال السنوات القادمة حتى تُغير حياتنا بالفعل. وحتى تُصبح ميزة متوقعة افتراضيًا يبحث الزبون في أي جهاز يشتريه.

الآن تخيل معي هذا السيناريو: بعد خمس سنوات من الآن ستحتاج إلى شراء مُكبر صوت قوي للمنزل أو سماعات للرأس. ستتوجه تلقائيًا للشراء من علامتك التجارية المفضلة لتكتشف أنها ما زالت تصنع أجهزة صوتية (غبية). ممتازة لكن غبية! قد يكون من المقبول شراء مكبر صوت من Bose غير متصل بالإنترنت في 2017 وبدون ميزات تعتمد على الذكاء الاصطناعي. لكن في العام 2022 سيبدو هذا كمن يشتري تلفزيونًا بالأبيض والأسود بعد ظهور التلفزيونات الملونة، أو من اشترى كاميرا ذات فيلم تقليدي بعد خمس سنوات من ظهور الكاميرات الرقمية.

هذا يعني شيئًا واحدًا: نحن مقبلون على عصر لن يعود فيه للمُنتجات معنىً إن لم تأتِ مدعومةً بميزات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ يجعل استخدامها أسهل وأكثر فاعلية. إن مُكبر الصوت الذي ستحتاج إلى اختيار الأغاني وبثها إليه من الهاتف بدل أن تطلب منه تشغيلها مباشرةً عبر أمرٍ صوتي هو جهاز غبي في العام 2022. نفس الأمر ينطبق على التلفاز العاجز عن تشغيل برنامجك المفضل بمجرد أن تطلب منه هذا، أو جهاز التكييف الذي لا يستطيع تعديل الجو تلقائيًا بحسب درجة الحرارة الفعلية في الخارج أو بحسب تواجد الأشخاص في الغرفة أو نمط تواجدهم أو خروجهم من المنزل، وهو أمر سيستطيع تعلمه وتطويره تلقائيًا.

هذا يؤدي بدوره إلى أن الشركات العاجزة عن مواكبة هذا التطوّر قد تصبح خارج السوق، وشركات التكنولوجيا العملاقة، مثل جوجل ومايكروسوفت وآمازون وفيسبوك قد تجد الفرصة كي تستغل هذا الفراغ لصناعة منتجات لم تُعرَف تقليديًا بصناعتها، لأن الشركات الأخرى تعجز ببساطة عن تقديمها للزبون.

وهنا تأتي أفضلية جوجل “غير العادلة” وهي في الذكاء الاصطناعي، وهو مجال كبير ومقعد جدًا ويحتاج إلى سنوات طويلة من الخبرة والتطوير، وإلى توظيف جيش من العلماء والخبراء باختصاصات تبدأ من الرياضيات ولا تنتهي بعلوم الحاسوب.

هذا يعني أن الموضوع بعيد المنال عن الشركات التي تنتج تجهيزات المنزل والأجهزة الإلكترونية الأخرى. لهذا سيكون على تلك الشركات شراء هذه التكنولوجيا من شركات مثل جوجل وآمازون (وهذا بدأ يحدث بالفعل)، هذا إذا أرادت تلك الشركات (التقليدية) البقاء في السوق.

لكن أفضلية جوجل غير العادلة تأتي من خلال تفوقها الكبير بمجال الذكاء الاصطناعي حتى على الشركات القليلة التي تستثمر في هذا المجال مثل آمازون وآبل ومايكروسوفت وآي بي إم. لأن هذا المجال لا يعتمد على الخبرات البشرية وتوفر الأموال والأبحاث فقط، بل هو يحتاج بشدّة إلى بيانات يعتمد عليها. فأي نظام للذكاء الصناعي يحتاج إلى أرضية يرتكز عليها وهي البيانات والمعلومات.

أفضلية جوجل تأتي بأنها أكبر شركة في التاريخ تتقن فهرسة وتحليل المعلومات. جوجل تمتلك الويب نفسها بشكلٍ أو بآخر. وإن كان هذا لا يكفي فإن الشركة لديها حوالي ملياري مُستخدم فعّال لنظام أندرويد ما يُساعدها في جمع معلومات هائلة حول كيفية استخدامنا لأجهزتنا وكيفية تعاملنا معها وربط هذه المعلومات ومقاطعتها بعضها ببعض ثم إدخالها ضمن برمجيات الذكاء الاصطناعي للتوصل إلى نتائج مفيدة تساعدها في تحسين مختلف المنتجات.

لهذا السبب يستطيع مُساعد جوجل Google Assistant التقاط صوتك وفهمه في شارع مليء بالضجيج حتى لو تحدثت بإنكليزية ركيكة وأخطأت في نطق بعض الكلمات، في حين لا تستطيع Siri ذلك. ولهذا السبب يستطيع محرك جوجل للبحث إعطاءك الجواب الصحيح والمناسب لك بالضبط، ولو بحث شخص غيرك عن نفس العبارة فقد يحصل على نتائج بحث مختلفة مناسبة له. لأن جوجل تعرف عنك من المعلومات ما لا تعرفه محركات البحث الأخرى لأنها لا تمتلك هذه المعلومات. في حين تُراكم جوجل المعلومات عنك منذ أول يوم بدأت فيه باستخدام مُحرك بحثها، أو تطبيقاتها وخدماتها المختلفة حتى لو كان ذلك على أجهزة ويندوز أو iOS.

الريادة في السنوات القادمة ستكون لمن يمتلك مفاتيح الذكاء الاصطناعي. والذكاء الاصطناعي هو ليس عبارة عن هاتف ذكي تستطيع شركة صينية تقليده، بل هو منظومة تقنية متكاملة تجمع بين الخبرة الطويلة، وتوفّر كمية هائلة من البيانات والمعلومات، والكمبيوترات الخارقة، والمتخصصين العباقرة.

يمكننا أن نناقش طويلًا وفي موضوع منفصل ماهي تبعات أن تمتلك شركات معدودة على أصابع اليد مفاتيح هذه التقنية. لكن بالتأكيد فإن جوجل وخلال المستقبل المنظور ستبقى الرائدة في هذا المجال لامتلاكها الأفضلية التي قد يصفها البعض بغير العادلة.

أنس المعراوي

مدوّن حالي، مطوّر ويب سابق، مهووس دائم بالتكنولوجيا والمصادر المفتوحة. مؤسس موقع أردرويد.

عنواني على تويتر: [email protected]

12 من التعليقات

ضع تعليقًا

  • معلش اخي انس

    ماذا استفدنا نحن كمستخدمين عرب من هذا الذكاء الاصطناعي خصوصا ان موقعكم الموقر موجه للمستخدم العربي ؟

    مثال بسيط

    مساعد غوغل اذكى من سيري لكن سيري يدعم اللغة العربية ومساعد غوغل الاكثر ذكاءً لا يدعم اللغة العربية ايهما سيكون الافضل لي في الوقت الحالي كمستخدم عربي ؟

    الجواب منطقيا : سيري ..

    حقيقة

    اجد الكلام في هذا الجانب مخجل منا كعرب اذ اننا نمجد شركه في جانب همشت فيه لغتنا ولم تراها مهمة

    • لا شك أن الخدمة الأفضل هي الخدمة التي تناسب المستخدم وتقدم الفائدة له، سواء كان ذلك من حيث دعمها للغته أو بأية طريقة أخرى. لكن هذا موضوع آخر. نحن نتحدث هنا عن المستقبل بشكل عام. ناهيك عن أن جوجل ستدعم العربية في مساعدها الصوتي عاجلًا أم آجلًا. هذا المقال ليس تمجيدًا لجوجل فالحقيقة هي أن الشركة متفوقة بهذا المجال.
      نتمنى لو كانت هناك شركات عربية تنافس بمثل هذا المجال لكن هذا غير موجود للأسف.

  • لعل هذا المقال يظهر تحيّز مبالغ فيها إلى “قوقل” وتقنياتها الحديثة.
    لا تثق بأن تقنية الذكاء الاصطناعي ستستحوذ على السوق خلال الخمس سنوات القادمة.

  • كلام واقعي و منطقي جدا … ولا يستبعد ان قوقل خططت لذلك منذ زمن بعيد ..

    كل الشكر اخي انس على الموضوع القيم ⁦👍🏼⁩⁦👍🏼⁩

  • من يسيطر الان على سوق التقنية وما يتبعها من موصلات اخرى انهم اصحاب المنصات الكبرى الذين يحتكرون السوق ويفوزن بالكعكة والجائزة التي هي مصدر دخل لا نهائي ومصدر معلومات لا نهاىية. اصحاب المنصات هم غوغل على رأس القائمة وبعدها تاتي بدون ترتيب الفيس بوك ومايكروسوفت وابل . هؤلاء استفدنا منهم بما قدموا لنا واضروا بنا على جانب اخر .هؤلاء جعلونا (عراة)بالمعنى المجازي امامهم فلا شيء يخفى عليهم مهما فعلنا. هنا ياتي دور الذكاء الصنعي الذي سيسخر لخدمتنا وفهمنا ومساعدتنا في الحياة لكن لا يكون ذلك بدون ثمن والثمن باهظ لدفع هذا الذكاء الصنعي لفهم عاداتنا وتصرفاتنا .الى اي مدى سيكون ثمن هذه الخدمات باهظا ؟؟ هو الان غير ملاحظ ولا نعيره اهتماما كبيرا لانة ما زال (مختبا)في مكان ما !!! نعرف هذا المكان ولا نستطيع الوصول اليه !!! لكن المستقبل هو بالتاكيد ل….. غوغل وستختفي باقي المنصات ان لم يطوروا انفسهم للحاق بالعملاق او الوحش !! غوغل .. ببساطة خزان المعلومات والبيانات التي تملكها غوغل عنا … رهيبة

  • ما المعلومات التي تملكها جوجل عني وأنا لا أملك حساب جيمايل 😄😄😄

    • مقالة رائعة الأخ أنس في انتظار القادمة

      يبدو أن قوقل مصممة على أن تكون القائدة في الصناعة القادمة صناعة الذكاء الصناعي و اليوم يظهر جليا تفوقها المبهر في منتجاتها و ليس هناك أي تحيز في ذلك لأن الشركة ببساطة تعرف من أين تؤكل الكتف.
      فمنذ ظهورها وهي مصممة على احتلال العالم رقميا و السيطرة على الويب مقارنة بشركات أخرى كانت تحمل نفس الهدف لكنها لم تستمر.
      في انتظار أن يمسنا بعض الذكاء الرقمي و يطور بيئاتنا العربية.

  • لاحضت منذ البداية زحف قوقل نحو هدف سامي بهدوء .. وها هي الآن بدأت الحركة الفعلية .. و أفضلية قوقل غير العادلة ثمرة كدها و نصيب جدها .. لاكن في آخر مؤتمر لها بدا عليها ملامح أبل التي لطالما كرهتها .. الجشع وحرماننا من مميزات كانت بإمكانها تقديمها بسهولة .. عموما , أتمنى أن يكون لسامسونج النصيب الأكبر بعد قوقل .. فلازلت أرى أن سامسونج هي الوحيدة من بينهم التي تحترم عقل عملائها و تستمع لهم وتحاول جاهدة أن تضع الأفضل بين يديهم .

    شكرا على المقالة الرائعة أخ أنس .

%d bloggers like this: