الجيل الخامس

في الطريق إلى الجيل الخامس: مراحل ولادة جيل الاتصالات القادم

هذه هي المقالة الخامسة ضمن سلسلة مقالات “في الطريق إلى الجيل الخامس” التي تهدف إلى شرح تدرّج تقنيات الاتصالات منذ الجيل الأول وصولًا إلى تقنيات الجيل الخامس المُستقبلية. في المقالين الأول والثاني مررنا بشكلٍ سريع على أجيال تقنيات الاتصالات، بدءًا من الجيل الأول وحتى الجيل الرابع، وتحدثنا في المقال الثالث عن أبرز تطبيقات الجيل الخامس والمتمثل في إنترنت الأشياء، وفي المقال الرابع تحدثنا عن طبقات نظام الاتصالات.

منذ بدء الانتقال في أواخر القرن الفائت من الجيل الثاني لنظام الاتصالات النقالة إلى الجيل الثالث ومن ثم الرابع، شكّلت عمليات الانتقال -وأحياناً الاندماج Integration- تحدّياً كبيراً ليس على المستوى التقني فحسب، بل على المستوى اللوجستي والتجاري وحتى القانوني. لهذا يحاول المشغلون (شركات الاتصالات) عادةً الموازنة بين تسريع عملية الانتقال لجيل جديد لتلبية مزاج الزبائن، وبين تأخير هذه العملية لجني عائد أرباح أكبر من الجيل المستخدم في الوقت الراهن.

عموماً يمكن توصيف مراحل إنتاج جيل جديد من الاتصالات المحمولة وفق خطوات متتالية:

  • توصيف التطبيقات: “ما يطلبه الجمهور” هو شعار هذه الخطوة، ويتمّ ذلك من خلال دراسات اجتماعية وتسويقية تجريها شركات المحمول والمراكز البحثية، كما يلعب الخيال العلمي من الأدب والأفلام هنا دوراً هاماً: سيارة ذاتية القيادة بتنظيم مرور آلي، ملبوسات ذكية (ساعات، نظارات، قمصان،…)، منازل مؤتمتة، روبوتات مساعدة، وفي المجمل فإن أغلب هذه السيناريوهات التطبيقية للجيل القادم تندرج تحت اسم واحد هو انترنت الأشياء.
  • توصيف المتطلبات: المقصود تحديد المواصفات التقنية التي يجب أن يقدمها الجيل الجديد من ناحية السرعة Throughput والوثوقية Riability والتأخير Delay والحماية Security والتغطية Coverage وتحديد مواصفات جودة الخدمة Quality of services في مختلف السيناريوهات. ستركز المقالة القادمة على شرح هذه المواصفات بالأرقام والتفاصيل.
  • دراسة التقنيات: وخلالها تتسابق الجامعات ومراكز البحث التابعة لكبرى الشركات على التطوير النظري والعملي لأحدث التقنيات التي تساعد على تحقيق المتطلبات المتفق عليها. كثير من الأفكار تكون موجودة نظرياً في الأبحاث المنشورة منذ عدة سنوات إلا أن تطويرها وتحقيقها عملياً في المختبرات هو ما يشكل التحدي الرئيس في هذه المرحلة.

في العموم تنتمي التقنيات المطوّرة إلى مختلف أجزاء الشبكة:

  1. الجزء اللاسلكي بفروعه المختلفة كعلم الهوائيات ومعالجة الإشارة والترميز والنفاذ المتعدد وخوارزميات تخصيص الموارد Resource allocation وغير ذلك.
  2. والجزء المركزي الذي يقوم بتوصيل المحطات اللاسلكية ببعضها وإدارة الشبكة وقواعد البيانات والتزويد بالتطبيقات والإشراف على الطبقات العليا من بروتوكولات الاتصالات كما شرحنا سابقا في مقالة طبقات نظام الاتصالات.

يمرّ تطوير الجيل الخامس حاليّاً بهذه المرحلة والتي من المتوقع أن تستمرّ حتّى عام 2019 (وربّما بعد ذلك بعام أو عامين). في الوقت الراهن كثيراً ما نسمع عن أخبار متواترة من الشركات الكبرى بأنها استطاعت بناء تجربة اتصالات عمليّة من الجيل الخامس، والمقصود هنا أنّ التجربة حقّقت بعض المتطلّبات التقنية المحدّدة لهذا الجيل كالسرعة أو التأخير مثلاً، إلا أنه في الحقيقة لا يمكن اعتبار أي من تلك التجارب من الجيل الجديد طالما أنّنا لم نصل للمرحلة اللاحقة الخاصة بإصدار المعيار الأساسي للنظام الجديد.

وبالتالي فإن مثل تلك الأخبار ليست أكثر من وسيلة دعائية في سباق تنافسي محموم بين مراكز البحث لتحقيق ضغط معيّن على الهيئات ذات الصلة لاعتماد تقنيات تلك الشركة كأحد معايير الجيل الجديد كون ذلك يعود بأرباح هائلة على الشركة من خلال براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية.

  • إصدار المعيار الأساسي: يتمّ ذلك من قبل الهيئات ذات الصلة، مثل:
    • 5G-PPP وهي شراكة أنشأتها المفوضية الأوروبية في بداية العام 2014 مع أقطاب صناعة الاتصالات في أوروبا. أطلقت هذه الشراكة، وبتمويل من برنامج H2020 الإنمائي الضخم التابع للمفوضية الأوروبية، مجموعة مشاريع كبرى لتطوير الجيل الخامس في مختلف أجزاء الشبكة. منها على سبيل المثال Fantastic لتطوير الوصلة اللاسلكية بين المحطة والمستخدم ومشروع COHERENT للشبكات الهجينة (وهو المشروع الذي أعمل به حالياً). سأتحدث عن الشبكات الهجينة في مقال قادم.
    • ETSI المعهد الأوروبي لمعايير الاتصالات
    • ATIS تحالف صناع الاتصالات في أمريكا
    • 3GPP وهي المظلة الأشمل حالياً في مجال معايير الاتصالات، وقد أطلقت هذه الشراكة العالمية معايير الأجيال السابقة من الثاني إلى الرابع. تتألف من كبرى منظمات المعايير في مختلف القارات مثل ETSI في أوروبا وATIS في أمريكا، وغيرها من الهيئات الصينية واليابانية والهندية والكورية.

تتألّف هذه الهيئات في العموم من تحالف كبرى مراكز البحث والجامعات والشركات. تجتمع هذه الأطراف في اجتماعات دورية لدراسة ومناقشة كلّ المقترحات التقنية المقدّمة لها ليتمّ رفضها أو قبولها أو تأجيلها. بعد أن تتمّ مراكمة المقترحات المقبولة في مختلف تقنيات وأجزاء الشبكة يمكن صياغة وإصدار المعيار الأولي للجيل الجديد وحينها يجب على الشركات المصنعة للتقنية اتباع هذا المعيار المعتمد أثناء تصنيع التجهيزات في المرحلة التالية.

تتعاون الهيئات العالمية فيما بينها وتتنافس أحياناً للوصول إلى معيار عالمي شبه موحّد وإن اختلفت بعض التفاصيل، خاصة بين الهيئات الأمريكية والهيئات الأوروبية وإن كان للأخيرة غلبة ما تمّ تحقيقها من خلال التقارب مع النمور التقنية في شرق آسيا كهواوي في الصين وسامسونغ في كوريا الجنوبية، وتجلّى ذلك أثناء تنفيذ الأجيال السابقة في مختلف مناطق العالم غير المنتجة للتقنية كالخليج العربي والشرق الأوسط وإفريقيا حيث لا تزال المعايير الأوروبية هي السائدة فيها منذ الجيل الثاني GSM.

أعلنت 3GPP أنها ستصدر في تمّوز 2018 حزمة المعايير Release 15 وفق ترتيب المعايير الصادرة عنها الخاصة بالأجيال السابقة، حيث سيحتوي الإصدار 15 بعض المعايير الجديدة الخاصة بتطوير الجيل الرابع بما يسمّى LTE-Advanced Pro ، كما أن هذا الإصدار سيتضمن أول حزمة معايير للجيل الخامس، يتلوها حزمة معايير أوضح وأكثر تفصيلا في العام التالي 2019.

  • تصنيع التجهيزات: بعد إصدار المعيار الأساسي للجيل القادم يبدأ مزوّدو التقنية بتصنيع التجهيزات بما يتوافق مع المعايير وبأقل كلفة ممكنة لتحقيق أكبر هامش من الربح. من أهم مزوّدي التجهيزات Ericsson, Nokia, Huawei, ZTE, Cisco وغيرهم.
  • التنفيذ: يجري الاتفاق بين مزودوي التجهيزات ومشغّلي الشبكة في تنفيذ وتجريب الشبكة الجديدة ودمجها إن لزم مع شبكات الأجيال السابقة قبل أن يبدأ طرح الخدمات الجديدة بشكل تجاري.
  • الاستثمار التجاري والتطوير: على التفرع مع الاستثمار التجاري، يستمر تطوير النظام المعياري لتحسين الأداء ولاستغلال التقنيات الجديدة وفق إصدارات فرعية متتالية. مثلاً تمّ إصدار5G و 4.75G بعد إصدار الجيل الرابع 4G حيث أُضيفَ تقنيات وخدمات جديدة مثل: توسيع عرض الحزمة الترددية من 20MHz إلى 100MHz لزيادة السرعة لتصل لنحو 1Gbps. تستمر مرحلة التطوير لتبدأ معها المرحلة الأولى للجيل الذي يليه وهكذا.

عرضت المقالة بشكل سريع مراحل ولادة الجيل الجديد من نظام الاتصالات والوضع الحالي للجيل الخامس، في المقالة القادمة سأتحدث عن المتطلبات المحددة للجيل القادم وما هي أهم التطبيقات التي تستدعي تلك المتطلبات.

إقرأ المزيد عن

نضال ظريفة

أكاديمي في جامعة Duisburg-Essen الألمانية ومتخصّص في علم الاتصالات النقّالة ويعمل كباحث علمي في مشاريع الاتحاد الأوروبي لأبحاث الجيل الخامس.

التعليقات: 3 ضع تعليقك

ايهاب يقول:

صراحة مجهود كبير من ادارة الموقع ان تقوم بشرح هذه السلسلة من المقالات
لأنني اعلم انه ليس هيناً ترجمة المصطلحات و ترتيب الخطوات لتبسيط المفاهيم للقارىء لإيصال المعلومة للجمهور الفقير بهذه المعلومات.
شكرا جزيلا لكم.

nzarifeh يقول:

شكراً جزيلاً للتعليق والمتابعة، ونرحب بأي مقترحات أو ملاحظات

octasios يقول:

موضوع اكثر من رائع لكن اتمنى في المرة المقبلة ان تتلخص المعلومة
شعرت نفسي اقرأ كتاب جامعي بهذا الموضوع
تقبل مروري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *