العملات الرقمية: حلٌّ ما زال يبحث عن المشكلة؟

لماذا فشلت العملات الرقمية حتى الآن في تحقيق هدفها؟ ما هو هدفها أصلًا؟ وكيف يبدو المُستقبَل؟

البداية

من المُحتمَل أنك ومثل الكثيرين سمعت بالعملات الرقمية للمرّة الأولى من باب الأخبار المُتعلقة بأسعارها والأحاديث حول المتاجرة بها. ولا بد أنك سمعت أن سعر البتكوين الواحدة كان يبلغ حوالي 6 سنتات أمريكية لدى إطلاقها في العام 2008 كي يصل بحلول كانون الأول/ديسمبر 2018 إلى 19 ألفًا من الدولارات (قبل أن يعود لينخفض إلى أقل من 7000 دولار اليوم).

لكن الهدف الرئيسي وراء تأسيس البتكوين كان فلسفيًا بالدرجة الاولى وليس تجاريًا. فحسب مؤسسها مجهول الهوية الذي يحمل الاسم الرمزي Satoshi Nakamoto فقد كان يُريد عمل ما يُشبه ثورة على الأنظمة الاقتصادية التقليدية حيث تمتلك جهات مركزية (كالحكومات والمصارف) وشركات عملاقة (مثل فيزا، ماستركارد، وباي بال) درجة تحكّم هائلة في السوق. فكرة البتكوين كانت تحرير المُستهلكين من السيطرة المركزية للجهات المالية والحكومية، وإعطاء الأشخاص العاديين أنفسهم إمكانية الدفع والتبادل التجاري وتحويل الأموال دون وسيط.

لماذا فشلت العملات الرقمية في تحقيق هدفها؟

للأسف، يبدو أن فكرة الـ Anti-establishment (فكرة فلسفية تُنادي بمناهضة المؤسسات التقليدية) التي تتخذها العملات الرقمية (والمتحمّسون لها) منهجًا، هي فكرة غير قابلة للتطبيق العملي. وقبل أن يغضب المتحمّسون للعملات الرقمية من هذا الكلام، دعنا نوضّح الأسباب:

الفشل في التحوّل إلى بديل للعملات التقليدية

أولًا، فقد فشلت العملات الرقمية في تحقيق هدفها والتحوّل إلى بديل للعملات التقليدية. وقد شاهدنا مواقع تجارية كبيرة وشركات حاولت دعم التوجّه عبر قبول البتكوين أو غيرها كعملة للدفع قبل أن تتراجع بعض هذه الشركات لاحقًا لعدة أسباب من أبرزها الرسوم العالية والتأرجح الكبير بسعر العملة ما يجعل استخدامها صعب جدًا للبيع والشراء. من الشركات الكبرى التي دعمت العملات الرقمية ثم تراجعت هي شركة حجوزات السفر Expedia وشركة الألعاب Valve.

صعوبة الاستخدام

ثانيًا، التعامل بالعملات الرقمية أمر صعب ويتطلب تنزيل تطبيقات مُعينة أو الاستعانة بخدمات شركات مختلفة عبر الإنترنت، والكثير من الحرص والانتباه والمُتابعة، وشيء -مهما كان بسيطًا- من المهارة التقنية. وهي أشياء لا يمتلك الغالبية العظمى من الناس وقتًا لها. كما أن التحويل من العملات التقليدية إلى الرقمية وبالعكس، هي عملية ليست بالسهولة التي يتوقعها المُستخدم.

ضعف الحماية الأمنية

ثالثًا، ضعف الحماية الأمنية. حيث تُشير بعض التقديرات بأن حوالي 14% من حجم العملات الرقمية الرئيسية الموجودة في السوق قد تعرّضت للسرقة. المشكلة هي أنه وفي عالم العملات الرقمية، فإن حماية النقود هي من مسؤولية صاحبها نفسه، ويمكن بسهولة أن يفقد المُستخدم (ثروته) بمجرد تعرّض قرصه الصلب للمسح أو العطل أو بسبب تعرّض الموقع الذي يستضيف محفظته الإلكترونية للاختراق أو أية مشاكل تقنية أخرى. باختصار، التعامل بالعملات الرقمية يحتاج الكثير من الحرص والعناية لتجنب حدوث الكوارث.

البطئ

رابعًا، لدينا مشكلة البطئ. حيث تفرض الطبيعة الموزَّعة لتقنية سلسلة الكتل (المزيد عنها بعد قليل) أو ما يُشبهها من التقنيات إجراءات تأكيد مُعقدة تؤدي إلى كون شبكة البتكوين لا تستطيع تمرير أكثر من سبعة تحويلات في الثانية، في حين أن شبكة فيزا مثلًا قادرة على معالجة عشرات الألوف من التحويلات في كل ثانية. صحيح أن بعض العملات الرقمية تحاول حل هذه المشكلة عبر تطوير تقنيات بديلة، لكن مثل هذه الشبكات ما زالت غير مُستقرة وغير سريعة بما فيه الكفاية. وقد أثبتت التجربة أن بعض التقنيات التي حاولت حل مثل هذه المشكلة على غرار Lightning Network تُعاني أحيانًا من البطئ أو فشل التحويل بمجرد ازدحامها وزيادة عدد مستخدميها.

لا حماية للمُستهلك

خامسًا، لا حماية للمُستهلك. في الوقت الذي اعتاد فيه المُستهلك العادي من مُستخدمي البطاقات الائتمانية أو خدمات مثل باي بال على خدمة حماية المُستهلك التي تقدمها هذه الشركات. لا تُقدم العملات الرقمية حاليًا أي نوع من أنواع الحماية. على سبيل المثال، تقوم باي بال بإعادة نقودك في حال اتضح أن البائع الذي اشتريت منه قد نصب عليك ولم يُرسل لك المُنتج. كما تمتلك شركات مثل فيزا وماستركارد أنظمة كشف تزوير متقدمة يمكن أن تقوم آليًا باكتشاف تعرض بطاقتك الائتمانية لأي عملية مشبوهة كي تقوم فورًا بتعطيل البطاقة وإعادة نقودك المسروقة. مثل هذه الحماية التي توفرها التقنيات والأنظمة المركزية لا تتوفر لدى التعامل بالعملات الرقمية.

هل هذا يعني فشل العملات الرقمية؟

ما أوردناه في الفقرة السابقة لا يعني أن العملات الرقمية هي فكرة فاشلة. لا شك أنه ومع مرور الزمن ستجد الشركات والمطوّرين المتخصصين بالعملات الرقمية وتطوير تقنيات سلسلة الكتل أفكارًا جديدة لتحسين الفكرة والتطبيق. لكن على الأغلب فإن أية فكرة ناجحة ستكون عبارة عن الدمج ما بين التقنيات التقليدية التجارية المُستخدمة حاليًا، وتقنية سلسلة الكتل كتحسين وتطوير على التقنيات التقليدية.

بمعنى آخر، فإن الفكرة الوردية الحالمة للعملة الرقمية التي ستُحرر الشعوب من سيطرة المؤسسات المركزية هي فكرة غير قابلة للتطبيق على نحو شعبي يجعل من العملات الرقمية بديلًا حقيقيًا للعملات التقليدية. لكننا قد نرى شركات كبيرة مثل باي بال أو ماستر كارد تعتمد تقنية سلسلة الكتل في جزء من عملياتها، لكن ما سيحدث حينها هو أننا سنكون قد عُدنا إلى المُربّع الأوّل، وهو أن هذا النوع من التقنيات لا يزدهر دون جهات ومؤسسات وشركات تُديره وتُسيطر عليه بشكل مركزي.

بشكلٍ عام، يُمكن تلخيص الأمر بأن العملات الرقمية هي حل لمشكلة غير موجودة، من وجهة نظر المُستهلك العادي على الأقل. فهي لم توفر أسلوبًا أسرع ولا أقل تكلفة في التحويلات، ولا تجربة تسوّق أكثر أمنًا، ولا حتى حماية هوية anonymity كاملة (بشكلٍ افتراضي فإن الشراء عبر العملة الرقمية هو محمي الهوية، لكن لو حدث أن اكتشف أحدهم هوية صاحب إحدى التحويلات، يمكنه بسهولة الاطلاع على ومعرفة تفاصيل جميع تحويلاته السابقة، وهذا هو الأسلوب الذي مكّن الـ FBI من تحديد هوية والقبض على مؤسس موقع Silk road – متجر إلكتروني يتخصص بالممنوعات-).

سلسلة الكتل هي تقنية ثورية ستبقى وتُغير المُستقبل

سلسلة الكتل Blockchain هي باختصار شديد -ودون الدخول في تفاصيل تقنية- عبارة عن قاعدة بيانات موزَّعة distributed، وغير قابلة للتغيير immutable. موزّعة، أي أنه توجد نسخة منها لدى كل شخص يرغب بالمساهمة فيها (لا توجد جهة واحدة تتحكم بها). غير قابلة للتغيير تعني أن كُل سجل من سجلاتها غير قابل للحذف أو التعديل بمُجرّد دخوله قاعدة البيانات.

كونها موزّعةً وغير قابلة للتغيير يفتح الباب أمام تطبيقات كثيرة مُحتملة تتجاوز العملات الرقمية. هناك بالفعل جهود تُبذل لتطوير أنظمة قائمة على تقنية سلسلة الكتل تُستخدم لأشياء مثل تسجيل وتوثيق رحلة المُنتج من المصدر إلى المُستهلِك. (مثال: تتبُّع وتوثيق أوراق الشاي منذ حصدها وجمعها وحتى نقلها وتعليبها، ثم شحنها إلى بلدٍ آخر، ثم رحلتها في البلد المستورِد إلى الموزّع ثم التاجر). وجود قاعدة بيانات موزّعة لدى كل الجهات المُهتمّة تتيح فوائد عديدة مثل منع التزوير وتسريع إجراءات التخليص الجمركي وما شابه.

العملات الرقمية فشلت حتى الآن (وربما ستظل فاشلة حتى في المُستقبل) بتحقيق هدفها الأصلي، لكن التقنية التي بُنيَت عليها وهي الـ Blockchain ستبقى وستدخل كل المجالات تقريبًا بما في ذلك المجالات المالية والاقتصادية، لكن بشكلٍ مختلف بشكلٍ كبير عن الشكل الذي نراه اليوم.

اترك ردًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.